كبير لعيونك
05-03-2008, 09:24 AM
الشهيد أبو جهاد وبعض البدايات في الثورة .. ، رحيل الجد إلى الرملة 1915
الجزء الاول
إذا التقيت عدوك .. فاثبت له حتى يتقهقر، فإذا تقهقر فاتبعه حتى يقع، وإذا وقع فاضرب عنقه. «عمرو بن العاض»
بضوء أخضر امبريالي أمريكي. تناولت الكثير من الأقلام «أبو جهاد - خليل الوزير، الإنسان والقائد» ..، وهأنذا أوضح وألقي الضوء على بعض الأمور في هذا المقال .، الذي آمل أن أتبعه بمقال ومقال ومقال .. لكي أُجلي بعض الحقائق .. قبل لحاقي به وبأخواته وإخوانه من سفراء ثورتنا الوطنية المعاصرة، ثورتنا العربية الفلسطينية.
أعلنت تركيا الحرب مع ألمانيا (1914) ضد الحلفاء، وجهزت جيوشها في بقايا إمبراطوريتها، وجعلت جبهة فلسطين من أهم مواقع دفاعها، بإمرة الجيش الرابع بقيادة جمال باشا السفاح، وذلك لمواجهة الجيش البريطاني المنتظر قدومه من الديار المصرية (سيناء) بقيادة الجنرال اللنبي. في هذه الأثناء عاث الجيش التركي فساداً في فلسطين .. خاصة جنوبها، فقطع الأشجار وسرق المحاصيل وجعل قطاع غزة منطقة عسكرية مغلقة.
لقد دفعت السياسة التركية الغاشمة الكثير من أبناء مدينة غزة إلى الهجرة منها متجهين شمالاً ..، وقل تعداد المدينة إلى ما دون (3000 مواطن) .. مع العلم أنها المدينة الأكثر تعداداً في المدن الفلسطينية عبر آلاف السنين.
ارتحل خليل الوزير (الجد) إلى مدينة الرملة (عروسة السهل الساحلي)، وذلك عام 1915) واستقر هناك .. وتزوج ابنه إبراهيم، وأنجب خليل (الحفيد) في اليوم ما قبل الأخير من الإضراب الفلسطيني التاريخي [17/4/1936 – 11/10/1936].
طرد الأب من الرملة 1948ودرس في مدارس الرملة الابتدائية، حتى انسحاب الجيش العربي الأردني من مدينتي (اللد والرملة)، حيث فرض قائد الهجوم الإسرائيلي إسحاق رابين الخروج القصري على المواطنين، وأعطاهم حق الاختيار بين التوجه شرقاً إلى رام الله، أو التوجه جنوباً في اتجاه المجدل وغزة، وأعطى لجيشه حق سلب أولئك المواطنين رجالاً ونساءً من كل ما في حوزتهم، فعلاً خرجوا بملابسهم التي على أجسادهم ..، وكان هذا أمراً مهماً ولقد تعرض الصبي خليل الوزير – فعلاً – إلى إطلاق نار مباشر ولكن الرصاص أصاب عربي آخر، .. ولكن الأمر الأهم .. كان بالإجهاز قتلاً على مرأى من الجميع لحالات عديدة .. لكيلا يُنقل أي منهم إلى مستشفى، فالرصاصة أقل كلفة من العلاج – والعربي الجيد، في العرف الصهيوني، هو العربي الميت -!!!.
تأثر الصبي (خليل) بهذه المناظر المؤذية في النفس والتي تترسب في الأعماق لصبي دون الثانية عشر من عمره، خاصة أن هذا الصبي كان ذكياً ولماحاً .. فهو الأول على أقرانه في المدرسة، وبقي كذلك حتى تخرجه من «الثانوية العامة» في مدينة غزة، (1955). وبعد مصادمة الموت وجهاً لوجه في مدينة الرملة .. نجحت الأسرة في الوصول بعد صعاب - ما أنزل الله بها من سلطان – إلى مدينة غزة، وسكنت منزل العائلة في حي الدرج، وعمل الوالد في «حمام السمرة» خاصتهم، وانتظم الابن خليل في مدرسة الرمال الإعدادية للاجئين.
إلى أين ؟
وتأثر الصبي بما أحاط به من أحداث وبقي قارئاً أميناً لذلك المشهد .. مشهد الاقتلاع من الجذور ..، حيث تم القطع الحدي للتطور المجتمعي الفلسطيني، والقي به بعيداً .. عاش الجندي الإسرائيلي القاتل في أعماق أعماق نفسية ذاك الصبي .. وتعاظم دور الجندي سلباً على كامل حراك حياة الصبي ..، وصراخه الأخير لازال يملأ عليه الأسماع والبصر – ويثقل عليه بصيرته (يالا روخ من هون) ..، والسؤال الأبدي .. في أعماق الصبي إلى أين؟ ..، ودوماً برز على مجمل حياة الصبي السؤال الأكثر خطورة .. أين القيادة؟ .. ولكن السؤال الأشد خطورة – كمن في – أين الأشقاء العرب / شعوباً وأحزاباً وملوكاً ورؤساءًا؟ ..
الجواب:- حركة الكل الوطني
كبر الصبي .. وكبرت الأسئلة ووجد نفسه يجيب عليها ..، علينا خلق الإطار التنظيمي الذي سيتولى رد الضيم الواقع على شعبنا، وهذا لا يكون إلا بإعطاء الدور القيادي الأول في قضيتنا لشعبنا .. مع تثوير طاقاته وإمكاناته وقدراته .. وأن تصب جميعاً في خانة النضال الوطني .. بكافة أوجهه .. وتوجهاته وجبهاته وأذرعه متكاملاً في الأداء على أرضية معادلة «الكل الوطني» أسوة بكل حركات التحرر العالمية ..، أي أن الحاجة تفرض .. بل وتحتم خلق حركة تحرر وطني ثورية شعبية عربية فلسطينية تتبنى الكفاح المسلح / ذراعاً مركزياً وأساسياً من أذرع النضال الوطني /، وتكون هذه الحركة (القابلة للتطور) هي القيادة الوطنية الفلسطينية الراعية لمشروع التحرر الوطني الفلسطيني، والمحافظة على القرار الوطني السياسي الفلسطيني، وأن يبقى مستقلاً عن النظام العربي الرسمي، استفادة من التجربة الوطنية الفلسطينية السابقة ونهلاً من تجربة الثورة الجزائرية الشقيقة منذ انطلاقتها في 1/11/1954.
«التنظيم هو الحل»هنا توجه للإطار التنظيمي الذي بحث عنه إبان احتدام الصراع بينه وبين نفسه، وهو يرى الجنود الصهاينة يمارسون فاشيتهم وساديتهم، التحق بجماعة الإخوان المسلمين أوائل الخمسينات من القرن الماضي، متأثراً بدعاياتهم وبأحاديثهم المنمقة حول فلسطين وضرورة استردادها بالكفاح المسلح ..، انتظم حسبما يفرض عليه عمره، بما أطلق عليه حينئذ «الفتيان» وتلقي بعض التدريبات الكشفية والعسكرية في رفح وشمال سيناء .. وأصبح المسئول الأول لهؤلاء الشباب «الفتيان»،.
فلسطين الألوية الثانية
وعندما طالبهم مع غيره بالسماح لهم بتنفيذ وممارسة ما استفادوه من التدريب العسكري ضد العدو الصهيوني، فوجئوا بالرد الحاسم بأن الأولوية للجهاد ليست ضد «إسرائيل» بالرغم من خطرها .. بل إن أولوية الجهاد الأولى هي ضد النظام المصري بقيادة جمال عبد الناصر.
المنعطف المصري
هنا كان المنعطف الحاسم والخطير في حياة خليل الوزير وهذه المجموعة من «الفتيان» - مما سيؤثر في تاريخ فلسطين المعاصر والمنطقة على مدى العقود الطويلة من السنين. هنا بدأ وبعض إخوانه .. في اتخاذ القرار الجدي الذي سيتأثر كل منهم .. حتى نهاية حياته نتيجة هذا القرار المصيري في حياة كل منهم وتاريخ فلسطين.
لقد كان قرارهم .. هو ترجمة وتجسيد حي .. مبدع وخلاّق .. لما دار في كيان الصبي خليل الوزير بمدينة الرملة .. وقد صاحبه مع غيره من أبناء جيله ..،. هنا كان التنفيذ الحي للخلاص الوطني الفلسطيني .. ألا وهو القسم بممارسة النضال الثوري وإبراز الكفاح المسلح ليكون بوابة المرحلة الوطنية الفلسطينية مع التأكيد فيما بين هذه المجموعة الشابة الخارجة والمتخلصة من ثوب «جماعة الإخوان المسلمين» إلى غير رجعة .. بأن العمل المسلح داخل الأرض المحتلة هو «خشبة الخلاص» لمعاناة الشعب الفلسطيني والطريق الذي لا بديل له لاسترداد التراب العربي الفلسطيني وعودة الإنسان الفلسطيني إلى أرضه .. للتفاعل العمودي مع أرضه والتفاعل الأفقي مع مواطنيه أسوة بكل شعوب وأمم الأرض.
العمل العسكري الأول
وأخطر ما في الأمر .. أنهم قد طبقوا القول بالفعل .. حيث بدءوا ممارسة العمل العسكري مباشرة من قطاع غزة، داخل الأرض المحتلة. ونجحوا في التسلل عبر خطوط هدنة (1949) واستطلاع بعض الأهداف والوصول إليها (وهي متواضعة) وضربها. إن «إسرائيل» على مستوى أعلى زعاماتها قد درست هذه الظاهرة الآتية عبر الحدود ..، ولم يكن أياً من هؤلاء الشباب قد جاوز (20 عاماً) من عمره، ما عدا / حمد العايدي /، لقد أوضح هؤلاء الشباب .. «أن التنظيم .. حتماً في خدمة القضية» وليس العكس، وفي اجتماعهم السري الأول اختاروا / خليل الوزير / مسئولاً عن هذه المجموعة – وأطلقوا عليه مسمى «المعلم» - ووزعوا الأدوار ، حيث أبقوا / كمال عدوان / على عضويته بجماعة الإخوان المسلمين، لينقل إليهم ما يدور في الجماعة وليخفف من هجوم «الجماعة» ضدهم.
العلم .. الأرضية الصلبة للعودة
بعد الانتهاء من المرحلة الدراسية الإعدادية، التحق / خليل الوزير / بمدرسة فلسطين الثانوية .. (1952 – 1955) ونشط بفاعليات ثقافية وطنية .. شهد له بها الجميع من أقرانه ومدرسيه، حيث أصبح وهو في السنة الثانية ثانوي رئيساً للجنة الثقافية المشرفة على المهرجانات الخطابية، والبرنامج الخطابي الصباحي والتمثيل وجرائد الحائط والمجلة المطبوعة الصادرة باسم المدرسة،. هنا بدأت ملكات الشاب/ خليل الوزير/ بالتبلور والتمايز وظهرت شخصيته القيادية المتسمة بالهدوء والانسياب وقوة الإقناع والحسم في اتخاذ القرار.
تفجير خزان زوهر ومضاعفاته
اقترن دوره في المدرسة الثانوية .. مع دوره القيادي لمجموعة العمل العسكري الفلسطيني الأول بعد نكبة (1948) وذلك في الأشهر الأولى لعام 1954، قام مع إخوانه بعمليات عسكرية عدة .. إلى أن كانت العملية الكبيرة ليلة 25/2/1955 .. حيث قامت دورية عسكرية بقيادة / خليل الوزير / بتفجير خزان زوهر ..، وتدفقت مياهه المجوزة إلى البحر الأبيض المتوسط .. ولكن هذه المياه تدفقت نتائجها سياسياً في المنطقة بكاملها، فلقد اتخذ دافيد بن غوريون وزير دفاع «إسرائيل» حينئذٍ قراره بالانتقام وبالفعل قامت (وحدة 101 + قوات المظليين) بالهجوم على جنوب مدينة غزة، حيث أوقعت في كمينها سيارة لوري مغطاة (بالشادر)، وكانت النتيجة 39 شهيداً مصرياً وفلسطينياً من ضباط وصف ضباط وجنود الجيش الفلسطيني – وعُرفت بحادثة 28/فبراير/1955.
انفجار المظاهرات وكتيبة مصطفى حافظ
خرجت المظاهرات العارمة في قطاع غزة منادية بالتسليح واعتقل عشرات الحزبيين (اليمين واليسار) ووصل عبد الناصر في زيارة مفاجئة وخاطفة للقطاع واتخذ قرارات جريئة .. حيث أقلع نهائياً وأنهى مغلقاً ملف البحث عن السلاح لدى الغرب .. وتوجه لشراء السلاح السوفيتي .. وهذا ما كان له تأثيره السياسي في المنطقة حتى تاريخه. لقد أكدت حادثة 28/فبراير أفكار ووجهة نظر جمال عبد الناصر أن الخطر الأول على الأمن القومي المصري – والعربي لا يكمن في المنظومة الاشتراكية بزعامة الاتحاد السوفيتي .. بل يكمن في «إسرائيل» وتحالفاتها، وكذا في سياسة الأحلاف الغربية في المنطقة. وكانت صفقة السلاح «التشيكية» وتفاعلاتها حتى تاريخه، وتأسست كتيبة (421) من الفدائيين بقيادة مصطفى حافظ حيث أثرت في المزاج والمعنوية والعقل الكفاحي العربي الفلسطيني، ولازالت هذه الكتيبة وقائدها تحظيان بالاحترام الكبير في جميع أوساط الشعب الفلسطيني.
اعتقال القائد .. «المعلم» اعتقلت إدارة الحكام الإداري العام لقطاع غزة، الشاب / خليل الوزير / على خلفية تفجير خزان زوهر .. ومكث في السجن فترة، ولقد ساعده قريبه وكيل النيابة (المحامي فايز أبو رحمه) .. وخرج بكفالة أحد العاملين في إدارة الحاكم العام (بمدينة غزة) وهو سوداني الأصل، ونال / خليل الوزير / إعجاب الضباط العاملين في إدارة الحاكم العام، هذه هي القومية العربية الذي إذا وُضعت على المحك فإن معدنها الأصيل .. هو الوحيد الذي يتمايز.
الجامعة والآفاق الجديدة
أنهى خليل الوزير / دراسته الثانوية عام 1955 والتحق بجامعة الإسكندرية / كلية الآداب – قسم فلسفة وعلم اجتماع، وهنا في مصر كانت إحدى أهم حلقات حياته الذهنية ..، حيث التقى مع / عبد الفتح عيسى حمود/، وكانت مجموعة الشباب في قطاع غزة، قد أوفدت، كمال عدوان للالتقاء به، ولكن المخابرات عثرت على رسالتهم معه ..، واستمر التواصل معه سراً – إلى أن كان لقاء (الوزير مع حمود) من أهم خطوات انتشار الفكرة الجديدة .. حيث شكلا ثنائي ناجح لطرح الفكرة.
وهنا تعلم خليل الوزير .. أكثر عن تجربة رابطة الطلاب الفلسطينيين .. وتأكد أن فكرتهم في قطاع غزة – القائلة بالخروج من الأزمة الوطنية التنظيمية الطارحة ذاتها وبعمق .. إنما يكمن في جمع حدود معادلة الكل الوطني في محصلة فعل ضد المشروع الاستعماري الصهيوني، وتأكد من إمكانية نجاح ذلك بعد إطلاعه بالتفصيل من / عبد الفتح عيسى حمود / على تجربة رابطة الطلاب الفلسطينيين .. حيث من الممكن أن تتعايش الأفكار مهما تناقضت من أجل إنجاز هدف سام .. على غرار استرداد فلسطين.
لقد كان / خليل الوزير / متعمقاً في رفض مشروعات التوطين .. «أياً كانت مسمياتها .. وهنا زاد وعيه وإدراكه بخطورة هذه المشاريع .. وبأنها فعلاً أخطر ما يواجه القضية الفلسطينية من عوامل وعناصر لتصفيتها. واطلع كذلك على مشاريع تحويل مياه نهر الأردن ..، وعرف كما لم يكن يعرف .. أحوال الشعب الفلسطيني في الشتات خاصة في دول الجوار.
قف وفكر .. فلسطين الثبات
كانت هذه الأمور وغيرها مدعاة لخليل الوزير أن يقف ويفكر ويطور أفكاره النضالية التحررية .. ودرس وباستفاضة حركات التحرر الوطني العالمية .. وقصد معظم مكاتبها في القاهرة وتحادث مع العاملين فيها وأخذ الكثير من نشراتهم .. وتأثر منذ البدايات بالتجربة التحررية الجزائرية .. ولقد بقي لهذه التجربة في قلبه وعقله مكاناً .. ومساحة لا محدودة.
وبدأت آفاق خليل الوزير تتسع بمساحات واسعة وتتفاعل أفقياً وعمودياً وتتلاقح أفكاره .. وبقيت فلسطين تشكل شمال بوصلته الثابتة وتحريرها هاجسه الأول والأخير .. وكل شيء هو لخدمة حرب الاسترداد .. أنها الحرب المقدسة في خاطر وعقل وضمير وأحاسيس ووجدان خليل الوزير.
التنظيم .. الشخصية .. الهوية ..
الكفاح .. الثورة .. الانتصار .
بدأت أطروحات الفكرة الجديدة بالبلورة وتوضحت أهم هذه القضايا بالآتي:
- إن الإطار التنظيمي إنما وُجد لخدمة القضية الفلسطينية وليس العكس نعم (التنظيم في خدمة فلسطين).
- تم الحسم بألا يكون الاسم «جماعة» أو حزباً .. لأن المطروح بالتأثر من حركات التحرر الوطني العالمية .. إما جبهة أو حركة، ولكيلا يقع الإطار له التزاوج .. فقد تم التوجه نحو تسمية «حركة»، خاصة أنها تعني أول ما تعني القدرة على التطور.
- وهذه الحركة .. لابد أن تكون وطنية وثورية وأن الانبثاق الحقيقي من صميم إرادة الشعب العربي الفلسطيني وطموحاته وتطلعاته.
- إن الشخصية الوطنية الفلسطينية قد تعرضت إلى مالا يطاق ولا يحتمل من مؤتمرات الشطب والتذويب والإنهاء .. وهذا الإطار عليه أن يجدد وجود ودور الشخصية الوطنية الفلسطينية عربياً ودولياً / الغير خاضعة لأي إن كان ، وليست تابعة أو موجهة إلا لثوابت نضال الشعب الفلسطيني وأمته العربية.
- وتقع على مسئولية هذا الإطار التعبأة الثورية للشعب الفلسطيني .. لأخذ دوره الطليعي والأساسي والمركزي في بعث وإدارة وقيادة القضية الفلسطينية لتحرير فلسطين من المشروع الاستعماري الصهيوني وتحالفاته الاستعمارية الدولية.
- إن الشخصية الوطنية والمسئولية القيادية تؤكدان أن مستقبل هذا الإطار ليس يمينياً أو يسارياً، فلابد من تجاوز كل هذه الطروحات وغيرها وصولاً لإنجاز هدف التحرير، واسترداد الأرض العربية في فلسطين وعودة الشعب إلى دياره الذي طُرد منها.
- إن تحرير فلسطين يتم عبر وسيلة الثورة المسلحة .. في الأرض المحتلة من فلسطين، حسبما ترتئيه قيادة الإطار مستقبلاً.
- كل هذا يكون على أرضية استعادة الشعب الفلسطيني لدوره في الميدان القتالي .. مع الجزم أن دوره هذا لا يتعدى كونه رأس الحربة، والأمة العربية هي جسم هذه الحربة وقاعدتها الصلبة.
- وهذا يدفع للحسم في مسألة القرار الوطني الفلسطيني، وبأنه قرار مستقل لا مساومة عليه مع أحد.
- إن هذه الجدلية في العلاقة الفلسطينية – العربية بنيت على أرضية أن الإطار الفلسطيني القائد للثورة الفلسطينية .. يرى أن الثورة الفلسطينية برمتها هي جزء من حركة طلائع الأمة العربية الثورية.
- وهكذا أكدت الفكرة الجديدة أن الشعب الفلسطيني جزء من الأمة العربية وأن ثورته هي جزء من الحركة القومية الثورية.
- إن تحرير فلسطين واجب وطني فلسطيني وواجب قومي عربي وواجب ديني إنساني لخدمة الحضارة البشرية.
- لقد فرق دعاة الإطار الأول بين الصهيونية كمشروع استعماري، وبين اليهودية كدين سماوي .. وجندوا كل قدراتهم لمحاربة المشروع مع عدم الانتباه للمسألة الدينية اليهودية .. إلا بمدى ضرر بعض أتباعها ومحاربتهم للمشروع الوطني العربي الفلسطيني.
- وأكد دعاة الإطار أن إقامة العلاقات مع الدول العربية – (وإن لم تضعها جميعاً في سلة واحدة) – ويتجه بكل فكره وطاقاته وإبداعاته من أجل انطلاق الثورة وتكريس ذلك بالفعل الثوري المسلح، وبذلك كل الإمكانات من أجل ديمومة الثورة وإعلاء شأن القضية وصولاً للنصر.
- إن المناضل هو صاحب الأرض ومالك نصاب القضية الوطنية والأمين على انتزاع النصر.
الصراع / هو صراع وجود .
- لقد رفض الإطار الدخول في طروحات المسألة الاجتماعية، بواقع أن الصراع ضد المشروع الاستعماري الصهيوني، هو صراع وجود، وليس صراعاً يدور حول مبدأ اجتماعي ما.
- رفضت هذه المجموعة بطروحاتها الفكرية الجديدة .. الخوض في المفاهيم الاجتماعية لما بعد الانتصار وإقامة الدولة الفلسطينية، مؤكدة أن جميع شرائح وطبقات ومسميات الشعب الفلسطيني قد تأثرت بنكبة 1948، والآن على جميع القوى هذه وغيرها أن تدرك أن الحالة الفلسطينية لا تقبل القسمة ولا الطرح ولا ضرب بعضنا بعض .. بل تقبل الجمع.
- وأكد هذا الإطار أن على جميع الشباب الفلسطيني أن يجمد كل ارتباطاته والتزاماته الحزبية إلى ما بعد المعركة أن القضية هي قضية وطنية شاملة وليست قضية طبقية، فهي ليست قضية تحالف فقراء عرب ويهود صهاينة، ضد تحالف أغنياء عرب وأغنياء يهود صهاينة ..، بل هي قضية وجود ما بين المشروع الاستعماري الصهيوني الغازي وبين المشروع الوطني الفلسطيني .. صاحب الأرض والقضية والمصير.
- أكد الإطار على الديمقراطية الثورية .. قاعدة مهمة من قواعد الاستقرار والفعالية والديمومة، وتمارس برؤى المركزية الديمقراطية والقيادة الجماعية وحرية الرأي وممارسة القواعد التنظيمية لدورها الرقابي على قيادتها، وإيلاء النقد والنقد الذاتي أهمية خاصة لتدعيم وترسيخ وتمتين المفاهيم الديمقراطية.
- نظراً للوضع السري الخاص الذي سيكتنف العمل التنظيمي فلابد من تثوير دور العضو بالفاعلية وتسليحه بالمبادرة وتجنيده لاتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب لصالح الفعل المناسب.
- تم إقرار استعمال كلمة (أخ) من واقع وقراءة أن العضو الفاعل في الإطار، سيكون رفيق سلاح في العمل الثوري العسكري، وأمانة الإطار التنظيمي (ككل) فسيكون «الأخ» والدراسات الحزبية اليسارية تؤكد أن المستقبل الإيجابي لاستعمال كلمة «رفيق» ستصبح «الأخ».
- تم الحسم على مسألة التقشف في الصرف والتطوع في الدفع المالي بكل القدرات الممكنة.
الوحدة الوطنية .
- ولعل الدرس الأول المستفاد من تجارب حركات التحرر الوطني العالمي .. يكمن في وعي وهضم مفاهيم ودلالات الوحدة الوطنية، كل شعوب وأمم الأرض بحاجة ماسة في نضالها ضد (الاستعمار أو الاحتلال أو الدكتاتورية المحلية) – للوحدة الوطنية، بل وبحاجة ماسة وبنسبة عالية جداً لذلك ..، إلا أن حاجة الشعب العربي الفلسطيني بحاجة أكثر وبكثير من حاجة أي شعب من شعوب الأرض للوحدة الوطنية .. إنها بوابة النصر الوحيدة ضد المشروع الاستعماري الصهيوني وتحالفاته الدولية. ولكن هؤلاء الشباب وضعوا الوحدة الوطنية نُصب أعينهم من أجل فلسطين .. وليس من أجل الحزب، ورفعوا شعارهم «فلسطين فوق الحزب» فوق الأحزاب والحزبية والتحزب. ومنذ البداية أكدوا أن خير موقع يتم اللقاء فيه من أجل وحدة وطنية مثمرة .. «هو اللقاء في أرض المعركة» ضد العدو المركزي، حيث «البنادق كل البنادق باتجاه صدر العدو».
لقاء «الصبرا» - من إرهاصات «فتح» الأساسية .
هذه الأفكار طرحت خطوطها العريضة في لقاء ضم (13) شاباً في أحد أحياء مدينة غزة (الصبرا) أوائل عام 1954، حيث انطلقت العمليات العسكرية الأولى بعد نكسة (1948). من أولئك الشباب الذين كانوا من «الفتيان» وهم على غرار (الطلائع الشبيبية) في جماعة الإخوان المسلمين..، حيث انسلخوا عنها نهائياً لعدم تجاوبها في طروحاتهم التحررية.
وتطورت طروحات الأفكار الجديدة، بعد انتهاء التقاء خليل الوزير مع عبد الفتاح عيسى حمود .. حيث اعتبر الثاني بمثابة ممثل لأفكار «الشباب الثلاثة عشر» في القاهرة، وإن تم منذ اللقاء الأول في «الصبرا» الإجماع فيما بينهم على إسناد دور القيادة لهذا التشكيل إلى خليل الوزير، وأطلقوا عليه لقب «المعلم».
لقاء القاهرة .. مارس 1956 .
تم طرح الأفكار السابقة .. في لقاء القاهرة الذي ضم بعض المؤيدين .. وذلك في مارس (1956) والذي حضره إلى جانب خليل الوزير، رفيق عمره كمال عدوان – الذي له الفضل في الدعوة للاجتماع الأول لـ «الشباب الثلاثة عشر» - وحضر لقاء القاهرة معهما عبد الفتاح عيسى حمود .. وغيرهم من الشباب الفلسطيني الجامعي.
وأسند لخليل الوزير وحمود مهمة تبويب الطروحات الجديدة الخاصة بالإطار مع رفض إعلانه تنظيماً في ذلك اللقاء. وأسند لحْمود مهمة الاتصال مع الجهات الوطنية المؤيدة لطروحاتهم الجديدة على الساحة الفلسطينية والعربية، واستمرار الاتصال مع حمد العايدي الذي تسلل إلى الأردن بعد انكشاف أمر دورية خزان زوهر (1955)، وأبقى لقاء القاهرة مهمة خليل الوزير قائمة .. كما تمت (1954) في غزة. واتفق على لقاء أخر بعد عام.
الانتشار الحذر والاتصال بثوار العالم .
وبدء الانتشار الأفقي الحذر للغاية، خشية أجهزة المخابرات العربية ..، ولكن هذه المرة على أرضية طروحات الأفكار الجديدة للإطار. تيقن خليل الوزير أن مهمة تاريخية تنتظره، ولابد أن يسعى جاهداً لإتقان دوره فيها..، واتسعت آفاقه التحررية نتيجة اتصالاته الحثيثة بمكاتب حركات التحرير الوطني في القاهرة .. التي أصبحت بعد مؤتمر باندونج/أبريل – 1955 / كعبة الثوار والأحرار يحجون إليها من كل حدب وصوب، وكثف من قراءاته المتعددة التوجهات / السياسية والفكرية والأديان / .. وشغف بالدراسات المتعلقة بحركات التحرر والتاريخ والفلسطيني والعربي والمشروع الاستعماري الصهيوني – وكل ما يتعلق بذلك، وتابع بانتباه وتركيز شديدين ما يدور في قطاع غزة ودور كتيبة الفدائيين (421) وما زرعته من رعب داخل خطوط الهدنة حيث تأكدت صحة ودقة وجهات نظر «مجموعة الصبرا» ..، وبقى على اتصال وثيق بكل ما يتعلق باللاجئين في الضفة الغربية والضفة الشرقية وسوريا ولبنان ..، لقد كانت استعداداته عالية للعمل الفدائي القادم.
حرب 1957 وانتصار جمال عبد الناصر .
في خضم هذه الأحداث .. جاء الدور الأمريكي القذر ضد ثورة 23 يوليو 1952، سحب تمويل السد العالي .. الذي أعقبه تأميم قناة السويس العالمية، ومضاعفات ذلك .. مؤتمر لندن للمنتفعين السابقين من الشركة المؤممة، وفشل مهمة منزيس إثر لقائه مع جمال عبد الناصر، لقاءات سيفر «بريطانيا، فرنسا، إسرائيل» والإعداد للعدوان الثلاثي على مصر .. موقف السوفيات المؤيد لمصر .. الموقف القومي العربي المبايع لمصر قائدة للأمة العربية ..، الاستعدادات المصيرية لردع العدوان .. تنفيذ العدوان الثلاثي .. احتلال قطاع غزة وسيناء وجزء من بُورسعيد، انسحاب الجيش المصري لغربي القناة، المقاومة البطولية في بورسعيد .. ويشهد لها العالم بالبسالة، وتتعطل الملاحة في قناة السويس .. وعبد الناصر لازال خطابه يتردد في الأذهان «حنحارب» ..، حقاً والله زمان يا سلاحي .. وفعلاً الله أكبر .. الله أكبر فوق كيد المعتدي ..، هنا إذاعة صوت العرب من دمشق، مظاهرات عارمة في عراق نوري السعيد وعبد الإله، المناضل عبد المجيد السراج مع إخوانه الأحرار في سوريا يدمرون أنابيب النفط المارة بالأراضي السورية..، ثوار الجزائر في الجبال يضربون جيش الاحتلال بقوة.
عاش الوطن العربي لحظات مجد وكبرياء وهم يُعلي صوته مؤيداً مصر في لحظة محنة ولدت نصراً سياسياً مبيناً .. وتنضم العروبة من الخليج إلى المحيط .. إلى جانب مصر الثورة، مصر عبد الناصر، مصر التأميم، مصر التمصير، وكأنها تصرخ بصوت واحد مصر أولاً .. مصر أخيراً ..، نعم / لا عرب بلا مصر .. ولا مصر بلا عرب.
المد القومي
تلاحقت الأحداث صيف عام 1956 .. وفلسطين في القلب من الحدث، إنها القضية المركزية للأمة العربية..، وها هي مصر – قائدة الأمة – تتعرض للعدوان العسكري المباشر .. كانت قلوب شعبنا الفلسطيني – مع مصر أولاً .. فشعبنا يعلم ويعرف تمام المعرفة أن أهم عوامل فشل الحملة الصليبية (الفرنجة) إنما كمن في عدم قدرتها على احتلال مصر ..، مصر مطرقة الأمة العربية عبر تاريخ العروبة الطويل، وسوريا سندانتها وفلسطين (مقر معارك الأمة المصيرية قديماً وحديثاً) وممر غزاتها .. يمروا ولكن لا ولم ولن يستقروا قط.
نشرة «صوت الشعب» في القاهرة .
تابعت مجوعة «الإطار» ما يدور من أحداث على الأرض .. وأثناء وقوع العدوان الثلاثي قامت هذه المجموعة – بإصدار نشرة سرية «صوت الشعب» / في القاهرة / تنطق باسم المقاومة الشعبية» وأشرف / خليل الوزير على كامل إصدارات هذه النشرة، وشاركه فيها / كمال عدوان وصلاح خلف – رئيس رابطة الطلبة الفلسطينيين في القاهرة – ومنير عجور وفوزي جبر. وكان خليل الوزير على اتصال دائم مع كمال عدوان المسئول في جبهة المقاومة الشعبية، الذي وصل إلى العريش إثر مطاردة من جيش الاحتلال.
7 / مارس – آذار / 1957 .
رحل جيش العدوان عن بورسعيد 23/12/1956 وتلكأ بالرحيل عن قطاع غزة وشمال سيناء .. إلا أنه أمام الإصرار المصري والإسناد العربي والدعم السوفياتي والمداهنة الأمريكية والمقاومة الشعبية المتواضعة، أُجبر جيش الاحتلال على الإنكفاء فجر 7 مارس 1957 ..، - حيث فوجئ أهالي قطاع غزة .. أن قوات الطوارئ الدولية قد تسلمت القطاع من قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي .. ، فكانت الفرحة العارمة .. ولكنها لم تتم، فلقد أعلن البريجادير جنرال بيرنز قائد قوات الطوارئ الدولية .. أن القوات هذه قد جاءت لتنفيذ قرار الأمم المتحدة القاضي بالتمركز على الحدود (الجانب المصري) من شرم الشيخ حتى رفح .. وأما قطاع غزة .. فإنه منطقة دولية.
لا للتدويل .
هب قطاع غزة .. هبة رجل واحد وشاركت القوى السياسية في التحريض ضد هذا القرار، وكان لمجموعة «الإطار» دوراً مميزاً في رفض هذا القرار .. سواءاً من شاركوا بمقاومة الاحتلال في قطاع غزة أو إخوانهم ممن وصلوا من العريش حيث كانوا ينتظرون الانسحاب الإسرائيلي بين لحظة وأخرى. تدفقت الجموع وحاصرت جميع مقرات قوات الطوارئ الدولية .. وبرزت الكثير من الأسماء ممن عُرفوا فيما بعد .. من بين شباب «الإطار».
وبعد أسبوع من المظاهرات المتصلة على مدار 24 ساعة، أعلن داج همر شولد الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة، أن مواقع القوات الدولية في قطاع غزة ستكون على الحدود ..، واستقبل الشعب الفلسطيني ذلك بفرحة اكتملت في ذات اليوم باستقبال قطاع غزة / الذي خرج عن بكرة أبيه ليستقبل اللواء أركان حرب محمد حسن عبد اللطيف، الحاكم العام المصري ولتعود الإدارة العربية المصرية إلى قطاع غزة العربي الفلسطيني.
اللقاء الثالث / مارس – آذار / 1957 .
تحت ظلال هذه النشوة الوطنية والقومية العارمة التأم شمل «الإطار» من القطاع ومصر في مارس 1957 .. وكان اللقاء الثالث للإطار، ولكنه اللقاء الأول الموسع – وكان بعد عام من اللقاء الثاني (مارس 1956)، وبالفعل كان هذا اللقاء بمثابة المؤتمر التحضيري الثالث الذي أخذ عن عاتقه مسئولية التأسيس التنظيمي لطروحات الفكرة المنبثقة من الحاجة / ومن الضرورة.
لقد تمت الموافقة على جميع الطروحات التي قدمها خليل الوزير للمجتمعين .. وهو المكلف بذلك. وكانت الدعوة واضحة لاستمرار الاتصال بالقوى الوطنية من الإحزاب السياسية من أجل وضع الطروحات الوطنية للإطار أمامهم جميعاً. ولقد تم في تلك الاجتماعات رفض وثيقة الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهار القاضية بملئ الفراغ في الشرق الأوسط، بعد الهزيمة والانسحاب التي منيت بها دول العدوان الثلاثي على مصر وقطاع غزة.
جماعة الإخوان المسلمين .. يرفضون تحرير فلسطين . بناءً على توجهات «الإطار» قدم خليل الوزير في يوليو 1957 مذكرة مكتوبة لمسئول جماعة الإخوان المسلمين في قطاع غزة – هاني بسيسو: لأن يتبنى الإخوان المسلمون آفاق تنظيم خاص بجانب تنظيمهم بحيث لا يحمل لوناً إسلامياً في مظهره وشعاراته، وإنما يحمل شعار تحرير فلسطين عن طريق الكفاح المسلح، وأن يتولى التنظيم الجديد الإعداد لهذا الكفاح وأن يبدأ بممارسته متى توفرت له العدة، وعلى الذين ينضمون إلى التنظيم سواء كانوا من الإخوان أو من الذين ستوجه لهم الدعوة من خارج الإخوان أن يخلعوا ثيابهم الإخوانية أو الحزبية ويلبسوا بدلاً منها ثياباً فلسطينية، كما أن عليهم أن يمتنعوا عن الدعوة لأية عقيدة أو أيديلوجية».
الأعضاء يتركون جماعة الإخوان المسلمين .
لم تأخذ زعامة جماعة الإخوان المسلمين بهذه الأفكار .. بل اعتبروها «أضغاث أحلام» .. ولكن شباب «الجماعة» سرعان ما بدءوا يُنَظِّرون للأفكار المطروحة .. وبدأت الاستعدادات تترى للإنضمام إلى صفوف «الإطار». وكان لانضمام أبو الأديب – سليم الزعنون – أهمية خاصة .. فهو المسئول الأول عن جبهة المقاومة الشعبية في قطاع غزة أثناء الاحتلال .. ولقد طرح فكرته القائلة إن تجربة رابطة الطلاب الفلسطينين في القاهرة .. كانت ناجحة حيث حسمت أمر التعايش ما بين الأفكار لخدمة الهدف الوطني، وكذلك فإن تجربة جبهة المقاومة الشعبية كانت تجربة ناجحة في السياق ذاته .. وخلص إلى القول إن هذا الإثراء في التجربة يدفع إلى تبني فكرة «الإطار» التي تدعو لخلق فعل سياسي فلسطيني تحرري على غرار تجارب حركات التحرر الوطني العالمية .. متبنياً للكفاح المسلح على أرض فلسطين لتحريرها.
جماعة الإخوان المسلمين .. تناكف . ولقد أكدت مذكرة / يوليو – 1957 / على الدور الإيجابي الذي يوليه الإطار للصف العربي المساند من أبناء الأمة العربية وللدول العربية عامة والدول التقدمية منها خاصة، حيث لا يريد «الإطار» ولا يبحث عن أي صراع مع أحد من العرب سواءاً من الدول العربية أو من شعوب الأمة .. بل يريد وينتظر دعمها جميعاً ما أمكن، فردت زعامة جماعة الإخوان المسلمين مؤكدة أن الدول العربية الثورية لن تسمح بنشاط فلسطيني فوق أراضيها، دون إخضاعه لسياساتها، وعند القتال ستجعل التنظيم الفلسطيني ينطلق من دول مجاورة، وليس من أراضيها، لتصفية حسابات عربية – عربية، فإن عاندها التنظيم الفلسطيني فستبطش به وتتهمه بالتآمر مع جهات أجنبية تعمل ضد الأمة العربية، وبالتالي لن يجدي الحياد في تجنب الصراع مع الدول العربية إن رفض الخضوع للدولة المضيفة.
وهكذا أرادات زعامة جماعة الإخوان المسلمين أن تضع العصي في دواليب العربة التي لم تتمكن من السير والحركة بعد.
الانتشار – الإيجابي . إثر ذلك تبعثر «القوم» من رجالات «الإطار» .. وإن تصلبت مواقفهم أكثر وأكثر وتسلحوا / بمسئولية متناهية الدقة والحساسية .. فلقد ملكوا الأجوبة على الكثير من الأسئلة المطروحة منذ نكبة 1948 .. تبعثروا وبدء كل منهم بقدراته وملكاته التبشير بطروحات الفكرة الجديدة .. شعب، شخصية، هوية، ثورة، حرب عصابات، نضال، كفاح، وحدة وطنية حركة تحرر .. مفردات ذات دلالات بينة ولكنا جديدة كل الجدة على المواطنين الفلسطينيين، وكانت البعثرة حسنة ما بعدها حسنة، ولو خطط لها ما أتت بتلك النتائج حقاً «رب ضارة نافعة».
الجزء الاول
إذا التقيت عدوك .. فاثبت له حتى يتقهقر، فإذا تقهقر فاتبعه حتى يقع، وإذا وقع فاضرب عنقه. «عمرو بن العاض»
بضوء أخضر امبريالي أمريكي. تناولت الكثير من الأقلام «أبو جهاد - خليل الوزير، الإنسان والقائد» ..، وهأنذا أوضح وألقي الضوء على بعض الأمور في هذا المقال .، الذي آمل أن أتبعه بمقال ومقال ومقال .. لكي أُجلي بعض الحقائق .. قبل لحاقي به وبأخواته وإخوانه من سفراء ثورتنا الوطنية المعاصرة، ثورتنا العربية الفلسطينية.
أعلنت تركيا الحرب مع ألمانيا (1914) ضد الحلفاء، وجهزت جيوشها في بقايا إمبراطوريتها، وجعلت جبهة فلسطين من أهم مواقع دفاعها، بإمرة الجيش الرابع بقيادة جمال باشا السفاح، وذلك لمواجهة الجيش البريطاني المنتظر قدومه من الديار المصرية (سيناء) بقيادة الجنرال اللنبي. في هذه الأثناء عاث الجيش التركي فساداً في فلسطين .. خاصة جنوبها، فقطع الأشجار وسرق المحاصيل وجعل قطاع غزة منطقة عسكرية مغلقة.
لقد دفعت السياسة التركية الغاشمة الكثير من أبناء مدينة غزة إلى الهجرة منها متجهين شمالاً ..، وقل تعداد المدينة إلى ما دون (3000 مواطن) .. مع العلم أنها المدينة الأكثر تعداداً في المدن الفلسطينية عبر آلاف السنين.
ارتحل خليل الوزير (الجد) إلى مدينة الرملة (عروسة السهل الساحلي)، وذلك عام 1915) واستقر هناك .. وتزوج ابنه إبراهيم، وأنجب خليل (الحفيد) في اليوم ما قبل الأخير من الإضراب الفلسطيني التاريخي [17/4/1936 – 11/10/1936].
طرد الأب من الرملة 1948ودرس في مدارس الرملة الابتدائية، حتى انسحاب الجيش العربي الأردني من مدينتي (اللد والرملة)، حيث فرض قائد الهجوم الإسرائيلي إسحاق رابين الخروج القصري على المواطنين، وأعطاهم حق الاختيار بين التوجه شرقاً إلى رام الله، أو التوجه جنوباً في اتجاه المجدل وغزة، وأعطى لجيشه حق سلب أولئك المواطنين رجالاً ونساءً من كل ما في حوزتهم، فعلاً خرجوا بملابسهم التي على أجسادهم ..، وكان هذا أمراً مهماً ولقد تعرض الصبي خليل الوزير – فعلاً – إلى إطلاق نار مباشر ولكن الرصاص أصاب عربي آخر، .. ولكن الأمر الأهم .. كان بالإجهاز قتلاً على مرأى من الجميع لحالات عديدة .. لكيلا يُنقل أي منهم إلى مستشفى، فالرصاصة أقل كلفة من العلاج – والعربي الجيد، في العرف الصهيوني، هو العربي الميت -!!!.
تأثر الصبي (خليل) بهذه المناظر المؤذية في النفس والتي تترسب في الأعماق لصبي دون الثانية عشر من عمره، خاصة أن هذا الصبي كان ذكياً ولماحاً .. فهو الأول على أقرانه في المدرسة، وبقي كذلك حتى تخرجه من «الثانوية العامة» في مدينة غزة، (1955). وبعد مصادمة الموت وجهاً لوجه في مدينة الرملة .. نجحت الأسرة في الوصول بعد صعاب - ما أنزل الله بها من سلطان – إلى مدينة غزة، وسكنت منزل العائلة في حي الدرج، وعمل الوالد في «حمام السمرة» خاصتهم، وانتظم الابن خليل في مدرسة الرمال الإعدادية للاجئين.
إلى أين ؟
وتأثر الصبي بما أحاط به من أحداث وبقي قارئاً أميناً لذلك المشهد .. مشهد الاقتلاع من الجذور ..، حيث تم القطع الحدي للتطور المجتمعي الفلسطيني، والقي به بعيداً .. عاش الجندي الإسرائيلي القاتل في أعماق أعماق نفسية ذاك الصبي .. وتعاظم دور الجندي سلباً على كامل حراك حياة الصبي ..، وصراخه الأخير لازال يملأ عليه الأسماع والبصر – ويثقل عليه بصيرته (يالا روخ من هون) ..، والسؤال الأبدي .. في أعماق الصبي إلى أين؟ ..، ودوماً برز على مجمل حياة الصبي السؤال الأكثر خطورة .. أين القيادة؟ .. ولكن السؤال الأشد خطورة – كمن في – أين الأشقاء العرب / شعوباً وأحزاباً وملوكاً ورؤساءًا؟ ..
الجواب:- حركة الكل الوطني
كبر الصبي .. وكبرت الأسئلة ووجد نفسه يجيب عليها ..، علينا خلق الإطار التنظيمي الذي سيتولى رد الضيم الواقع على شعبنا، وهذا لا يكون إلا بإعطاء الدور القيادي الأول في قضيتنا لشعبنا .. مع تثوير طاقاته وإمكاناته وقدراته .. وأن تصب جميعاً في خانة النضال الوطني .. بكافة أوجهه .. وتوجهاته وجبهاته وأذرعه متكاملاً في الأداء على أرضية معادلة «الكل الوطني» أسوة بكل حركات التحرر العالمية ..، أي أن الحاجة تفرض .. بل وتحتم خلق حركة تحرر وطني ثورية شعبية عربية فلسطينية تتبنى الكفاح المسلح / ذراعاً مركزياً وأساسياً من أذرع النضال الوطني /، وتكون هذه الحركة (القابلة للتطور) هي القيادة الوطنية الفلسطينية الراعية لمشروع التحرر الوطني الفلسطيني، والمحافظة على القرار الوطني السياسي الفلسطيني، وأن يبقى مستقلاً عن النظام العربي الرسمي، استفادة من التجربة الوطنية الفلسطينية السابقة ونهلاً من تجربة الثورة الجزائرية الشقيقة منذ انطلاقتها في 1/11/1954.
«التنظيم هو الحل»هنا توجه للإطار التنظيمي الذي بحث عنه إبان احتدام الصراع بينه وبين نفسه، وهو يرى الجنود الصهاينة يمارسون فاشيتهم وساديتهم، التحق بجماعة الإخوان المسلمين أوائل الخمسينات من القرن الماضي، متأثراً بدعاياتهم وبأحاديثهم المنمقة حول فلسطين وضرورة استردادها بالكفاح المسلح ..، انتظم حسبما يفرض عليه عمره، بما أطلق عليه حينئذ «الفتيان» وتلقي بعض التدريبات الكشفية والعسكرية في رفح وشمال سيناء .. وأصبح المسئول الأول لهؤلاء الشباب «الفتيان»،.
فلسطين الألوية الثانية
وعندما طالبهم مع غيره بالسماح لهم بتنفيذ وممارسة ما استفادوه من التدريب العسكري ضد العدو الصهيوني، فوجئوا بالرد الحاسم بأن الأولوية للجهاد ليست ضد «إسرائيل» بالرغم من خطرها .. بل إن أولوية الجهاد الأولى هي ضد النظام المصري بقيادة جمال عبد الناصر.
المنعطف المصري
هنا كان المنعطف الحاسم والخطير في حياة خليل الوزير وهذه المجموعة من «الفتيان» - مما سيؤثر في تاريخ فلسطين المعاصر والمنطقة على مدى العقود الطويلة من السنين. هنا بدأ وبعض إخوانه .. في اتخاذ القرار الجدي الذي سيتأثر كل منهم .. حتى نهاية حياته نتيجة هذا القرار المصيري في حياة كل منهم وتاريخ فلسطين.
لقد كان قرارهم .. هو ترجمة وتجسيد حي .. مبدع وخلاّق .. لما دار في كيان الصبي خليل الوزير بمدينة الرملة .. وقد صاحبه مع غيره من أبناء جيله ..،. هنا كان التنفيذ الحي للخلاص الوطني الفلسطيني .. ألا وهو القسم بممارسة النضال الثوري وإبراز الكفاح المسلح ليكون بوابة المرحلة الوطنية الفلسطينية مع التأكيد فيما بين هذه المجموعة الشابة الخارجة والمتخلصة من ثوب «جماعة الإخوان المسلمين» إلى غير رجعة .. بأن العمل المسلح داخل الأرض المحتلة هو «خشبة الخلاص» لمعاناة الشعب الفلسطيني والطريق الذي لا بديل له لاسترداد التراب العربي الفلسطيني وعودة الإنسان الفلسطيني إلى أرضه .. للتفاعل العمودي مع أرضه والتفاعل الأفقي مع مواطنيه أسوة بكل شعوب وأمم الأرض.
العمل العسكري الأول
وأخطر ما في الأمر .. أنهم قد طبقوا القول بالفعل .. حيث بدءوا ممارسة العمل العسكري مباشرة من قطاع غزة، داخل الأرض المحتلة. ونجحوا في التسلل عبر خطوط هدنة (1949) واستطلاع بعض الأهداف والوصول إليها (وهي متواضعة) وضربها. إن «إسرائيل» على مستوى أعلى زعاماتها قد درست هذه الظاهرة الآتية عبر الحدود ..، ولم يكن أياً من هؤلاء الشباب قد جاوز (20 عاماً) من عمره، ما عدا / حمد العايدي /، لقد أوضح هؤلاء الشباب .. «أن التنظيم .. حتماً في خدمة القضية» وليس العكس، وفي اجتماعهم السري الأول اختاروا / خليل الوزير / مسئولاً عن هذه المجموعة – وأطلقوا عليه مسمى «المعلم» - ووزعوا الأدوار ، حيث أبقوا / كمال عدوان / على عضويته بجماعة الإخوان المسلمين، لينقل إليهم ما يدور في الجماعة وليخفف من هجوم «الجماعة» ضدهم.
العلم .. الأرضية الصلبة للعودة
بعد الانتهاء من المرحلة الدراسية الإعدادية، التحق / خليل الوزير / بمدرسة فلسطين الثانوية .. (1952 – 1955) ونشط بفاعليات ثقافية وطنية .. شهد له بها الجميع من أقرانه ومدرسيه، حيث أصبح وهو في السنة الثانية ثانوي رئيساً للجنة الثقافية المشرفة على المهرجانات الخطابية، والبرنامج الخطابي الصباحي والتمثيل وجرائد الحائط والمجلة المطبوعة الصادرة باسم المدرسة،. هنا بدأت ملكات الشاب/ خليل الوزير/ بالتبلور والتمايز وظهرت شخصيته القيادية المتسمة بالهدوء والانسياب وقوة الإقناع والحسم في اتخاذ القرار.
تفجير خزان زوهر ومضاعفاته
اقترن دوره في المدرسة الثانوية .. مع دوره القيادي لمجموعة العمل العسكري الفلسطيني الأول بعد نكبة (1948) وذلك في الأشهر الأولى لعام 1954، قام مع إخوانه بعمليات عسكرية عدة .. إلى أن كانت العملية الكبيرة ليلة 25/2/1955 .. حيث قامت دورية عسكرية بقيادة / خليل الوزير / بتفجير خزان زوهر ..، وتدفقت مياهه المجوزة إلى البحر الأبيض المتوسط .. ولكن هذه المياه تدفقت نتائجها سياسياً في المنطقة بكاملها، فلقد اتخذ دافيد بن غوريون وزير دفاع «إسرائيل» حينئذٍ قراره بالانتقام وبالفعل قامت (وحدة 101 + قوات المظليين) بالهجوم على جنوب مدينة غزة، حيث أوقعت في كمينها سيارة لوري مغطاة (بالشادر)، وكانت النتيجة 39 شهيداً مصرياً وفلسطينياً من ضباط وصف ضباط وجنود الجيش الفلسطيني – وعُرفت بحادثة 28/فبراير/1955.
انفجار المظاهرات وكتيبة مصطفى حافظ
خرجت المظاهرات العارمة في قطاع غزة منادية بالتسليح واعتقل عشرات الحزبيين (اليمين واليسار) ووصل عبد الناصر في زيارة مفاجئة وخاطفة للقطاع واتخذ قرارات جريئة .. حيث أقلع نهائياً وأنهى مغلقاً ملف البحث عن السلاح لدى الغرب .. وتوجه لشراء السلاح السوفيتي .. وهذا ما كان له تأثيره السياسي في المنطقة حتى تاريخه. لقد أكدت حادثة 28/فبراير أفكار ووجهة نظر جمال عبد الناصر أن الخطر الأول على الأمن القومي المصري – والعربي لا يكمن في المنظومة الاشتراكية بزعامة الاتحاد السوفيتي .. بل يكمن في «إسرائيل» وتحالفاتها، وكذا في سياسة الأحلاف الغربية في المنطقة. وكانت صفقة السلاح «التشيكية» وتفاعلاتها حتى تاريخه، وتأسست كتيبة (421) من الفدائيين بقيادة مصطفى حافظ حيث أثرت في المزاج والمعنوية والعقل الكفاحي العربي الفلسطيني، ولازالت هذه الكتيبة وقائدها تحظيان بالاحترام الكبير في جميع أوساط الشعب الفلسطيني.
اعتقال القائد .. «المعلم» اعتقلت إدارة الحكام الإداري العام لقطاع غزة، الشاب / خليل الوزير / على خلفية تفجير خزان زوهر .. ومكث في السجن فترة، ولقد ساعده قريبه وكيل النيابة (المحامي فايز أبو رحمه) .. وخرج بكفالة أحد العاملين في إدارة الحاكم العام (بمدينة غزة) وهو سوداني الأصل، ونال / خليل الوزير / إعجاب الضباط العاملين في إدارة الحاكم العام، هذه هي القومية العربية الذي إذا وُضعت على المحك فإن معدنها الأصيل .. هو الوحيد الذي يتمايز.
الجامعة والآفاق الجديدة
أنهى خليل الوزير / دراسته الثانوية عام 1955 والتحق بجامعة الإسكندرية / كلية الآداب – قسم فلسفة وعلم اجتماع، وهنا في مصر كانت إحدى أهم حلقات حياته الذهنية ..، حيث التقى مع / عبد الفتح عيسى حمود/، وكانت مجموعة الشباب في قطاع غزة، قد أوفدت، كمال عدوان للالتقاء به، ولكن المخابرات عثرت على رسالتهم معه ..، واستمر التواصل معه سراً – إلى أن كان لقاء (الوزير مع حمود) من أهم خطوات انتشار الفكرة الجديدة .. حيث شكلا ثنائي ناجح لطرح الفكرة.
وهنا تعلم خليل الوزير .. أكثر عن تجربة رابطة الطلاب الفلسطينيين .. وتأكد أن فكرتهم في قطاع غزة – القائلة بالخروج من الأزمة الوطنية التنظيمية الطارحة ذاتها وبعمق .. إنما يكمن في جمع حدود معادلة الكل الوطني في محصلة فعل ضد المشروع الاستعماري الصهيوني، وتأكد من إمكانية نجاح ذلك بعد إطلاعه بالتفصيل من / عبد الفتح عيسى حمود / على تجربة رابطة الطلاب الفلسطينيين .. حيث من الممكن أن تتعايش الأفكار مهما تناقضت من أجل إنجاز هدف سام .. على غرار استرداد فلسطين.
لقد كان / خليل الوزير / متعمقاً في رفض مشروعات التوطين .. «أياً كانت مسمياتها .. وهنا زاد وعيه وإدراكه بخطورة هذه المشاريع .. وبأنها فعلاً أخطر ما يواجه القضية الفلسطينية من عوامل وعناصر لتصفيتها. واطلع كذلك على مشاريع تحويل مياه نهر الأردن ..، وعرف كما لم يكن يعرف .. أحوال الشعب الفلسطيني في الشتات خاصة في دول الجوار.
قف وفكر .. فلسطين الثبات
كانت هذه الأمور وغيرها مدعاة لخليل الوزير أن يقف ويفكر ويطور أفكاره النضالية التحررية .. ودرس وباستفاضة حركات التحرر الوطني العالمية .. وقصد معظم مكاتبها في القاهرة وتحادث مع العاملين فيها وأخذ الكثير من نشراتهم .. وتأثر منذ البدايات بالتجربة التحررية الجزائرية .. ولقد بقي لهذه التجربة في قلبه وعقله مكاناً .. ومساحة لا محدودة.
وبدأت آفاق خليل الوزير تتسع بمساحات واسعة وتتفاعل أفقياً وعمودياً وتتلاقح أفكاره .. وبقيت فلسطين تشكل شمال بوصلته الثابتة وتحريرها هاجسه الأول والأخير .. وكل شيء هو لخدمة حرب الاسترداد .. أنها الحرب المقدسة في خاطر وعقل وضمير وأحاسيس ووجدان خليل الوزير.
التنظيم .. الشخصية .. الهوية ..
الكفاح .. الثورة .. الانتصار .
بدأت أطروحات الفكرة الجديدة بالبلورة وتوضحت أهم هذه القضايا بالآتي:
- إن الإطار التنظيمي إنما وُجد لخدمة القضية الفلسطينية وليس العكس نعم (التنظيم في خدمة فلسطين).
- تم الحسم بألا يكون الاسم «جماعة» أو حزباً .. لأن المطروح بالتأثر من حركات التحرر الوطني العالمية .. إما جبهة أو حركة، ولكيلا يقع الإطار له التزاوج .. فقد تم التوجه نحو تسمية «حركة»، خاصة أنها تعني أول ما تعني القدرة على التطور.
- وهذه الحركة .. لابد أن تكون وطنية وثورية وأن الانبثاق الحقيقي من صميم إرادة الشعب العربي الفلسطيني وطموحاته وتطلعاته.
- إن الشخصية الوطنية الفلسطينية قد تعرضت إلى مالا يطاق ولا يحتمل من مؤتمرات الشطب والتذويب والإنهاء .. وهذا الإطار عليه أن يجدد وجود ودور الشخصية الوطنية الفلسطينية عربياً ودولياً / الغير خاضعة لأي إن كان ، وليست تابعة أو موجهة إلا لثوابت نضال الشعب الفلسطيني وأمته العربية.
- وتقع على مسئولية هذا الإطار التعبأة الثورية للشعب الفلسطيني .. لأخذ دوره الطليعي والأساسي والمركزي في بعث وإدارة وقيادة القضية الفلسطينية لتحرير فلسطين من المشروع الاستعماري الصهيوني وتحالفاته الاستعمارية الدولية.
- إن الشخصية الوطنية والمسئولية القيادية تؤكدان أن مستقبل هذا الإطار ليس يمينياً أو يسارياً، فلابد من تجاوز كل هذه الطروحات وغيرها وصولاً لإنجاز هدف التحرير، واسترداد الأرض العربية في فلسطين وعودة الشعب إلى دياره الذي طُرد منها.
- إن تحرير فلسطين يتم عبر وسيلة الثورة المسلحة .. في الأرض المحتلة من فلسطين، حسبما ترتئيه قيادة الإطار مستقبلاً.
- كل هذا يكون على أرضية استعادة الشعب الفلسطيني لدوره في الميدان القتالي .. مع الجزم أن دوره هذا لا يتعدى كونه رأس الحربة، والأمة العربية هي جسم هذه الحربة وقاعدتها الصلبة.
- وهذا يدفع للحسم في مسألة القرار الوطني الفلسطيني، وبأنه قرار مستقل لا مساومة عليه مع أحد.
- إن هذه الجدلية في العلاقة الفلسطينية – العربية بنيت على أرضية أن الإطار الفلسطيني القائد للثورة الفلسطينية .. يرى أن الثورة الفلسطينية برمتها هي جزء من حركة طلائع الأمة العربية الثورية.
- وهكذا أكدت الفكرة الجديدة أن الشعب الفلسطيني جزء من الأمة العربية وأن ثورته هي جزء من الحركة القومية الثورية.
- إن تحرير فلسطين واجب وطني فلسطيني وواجب قومي عربي وواجب ديني إنساني لخدمة الحضارة البشرية.
- لقد فرق دعاة الإطار الأول بين الصهيونية كمشروع استعماري، وبين اليهودية كدين سماوي .. وجندوا كل قدراتهم لمحاربة المشروع مع عدم الانتباه للمسألة الدينية اليهودية .. إلا بمدى ضرر بعض أتباعها ومحاربتهم للمشروع الوطني العربي الفلسطيني.
- وأكد دعاة الإطار أن إقامة العلاقات مع الدول العربية – (وإن لم تضعها جميعاً في سلة واحدة) – ويتجه بكل فكره وطاقاته وإبداعاته من أجل انطلاق الثورة وتكريس ذلك بالفعل الثوري المسلح، وبذلك كل الإمكانات من أجل ديمومة الثورة وإعلاء شأن القضية وصولاً للنصر.
- إن المناضل هو صاحب الأرض ومالك نصاب القضية الوطنية والأمين على انتزاع النصر.
الصراع / هو صراع وجود .
- لقد رفض الإطار الدخول في طروحات المسألة الاجتماعية، بواقع أن الصراع ضد المشروع الاستعماري الصهيوني، هو صراع وجود، وليس صراعاً يدور حول مبدأ اجتماعي ما.
- رفضت هذه المجموعة بطروحاتها الفكرية الجديدة .. الخوض في المفاهيم الاجتماعية لما بعد الانتصار وإقامة الدولة الفلسطينية، مؤكدة أن جميع شرائح وطبقات ومسميات الشعب الفلسطيني قد تأثرت بنكبة 1948، والآن على جميع القوى هذه وغيرها أن تدرك أن الحالة الفلسطينية لا تقبل القسمة ولا الطرح ولا ضرب بعضنا بعض .. بل تقبل الجمع.
- وأكد هذا الإطار أن على جميع الشباب الفلسطيني أن يجمد كل ارتباطاته والتزاماته الحزبية إلى ما بعد المعركة أن القضية هي قضية وطنية شاملة وليست قضية طبقية، فهي ليست قضية تحالف فقراء عرب ويهود صهاينة، ضد تحالف أغنياء عرب وأغنياء يهود صهاينة ..، بل هي قضية وجود ما بين المشروع الاستعماري الصهيوني الغازي وبين المشروع الوطني الفلسطيني .. صاحب الأرض والقضية والمصير.
- أكد الإطار على الديمقراطية الثورية .. قاعدة مهمة من قواعد الاستقرار والفعالية والديمومة، وتمارس برؤى المركزية الديمقراطية والقيادة الجماعية وحرية الرأي وممارسة القواعد التنظيمية لدورها الرقابي على قيادتها، وإيلاء النقد والنقد الذاتي أهمية خاصة لتدعيم وترسيخ وتمتين المفاهيم الديمقراطية.
- نظراً للوضع السري الخاص الذي سيكتنف العمل التنظيمي فلابد من تثوير دور العضو بالفاعلية وتسليحه بالمبادرة وتجنيده لاتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب لصالح الفعل المناسب.
- تم إقرار استعمال كلمة (أخ) من واقع وقراءة أن العضو الفاعل في الإطار، سيكون رفيق سلاح في العمل الثوري العسكري، وأمانة الإطار التنظيمي (ككل) فسيكون «الأخ» والدراسات الحزبية اليسارية تؤكد أن المستقبل الإيجابي لاستعمال كلمة «رفيق» ستصبح «الأخ».
- تم الحسم على مسألة التقشف في الصرف والتطوع في الدفع المالي بكل القدرات الممكنة.
الوحدة الوطنية .
- ولعل الدرس الأول المستفاد من تجارب حركات التحرر الوطني العالمي .. يكمن في وعي وهضم مفاهيم ودلالات الوحدة الوطنية، كل شعوب وأمم الأرض بحاجة ماسة في نضالها ضد (الاستعمار أو الاحتلال أو الدكتاتورية المحلية) – للوحدة الوطنية، بل وبحاجة ماسة وبنسبة عالية جداً لذلك ..، إلا أن حاجة الشعب العربي الفلسطيني بحاجة أكثر وبكثير من حاجة أي شعب من شعوب الأرض للوحدة الوطنية .. إنها بوابة النصر الوحيدة ضد المشروع الاستعماري الصهيوني وتحالفاته الدولية. ولكن هؤلاء الشباب وضعوا الوحدة الوطنية نُصب أعينهم من أجل فلسطين .. وليس من أجل الحزب، ورفعوا شعارهم «فلسطين فوق الحزب» فوق الأحزاب والحزبية والتحزب. ومنذ البداية أكدوا أن خير موقع يتم اللقاء فيه من أجل وحدة وطنية مثمرة .. «هو اللقاء في أرض المعركة» ضد العدو المركزي، حيث «البنادق كل البنادق باتجاه صدر العدو».
لقاء «الصبرا» - من إرهاصات «فتح» الأساسية .
هذه الأفكار طرحت خطوطها العريضة في لقاء ضم (13) شاباً في أحد أحياء مدينة غزة (الصبرا) أوائل عام 1954، حيث انطلقت العمليات العسكرية الأولى بعد نكسة (1948). من أولئك الشباب الذين كانوا من «الفتيان» وهم على غرار (الطلائع الشبيبية) في جماعة الإخوان المسلمين..، حيث انسلخوا عنها نهائياً لعدم تجاوبها في طروحاتهم التحررية.
وتطورت طروحات الأفكار الجديدة، بعد انتهاء التقاء خليل الوزير مع عبد الفتاح عيسى حمود .. حيث اعتبر الثاني بمثابة ممثل لأفكار «الشباب الثلاثة عشر» في القاهرة، وإن تم منذ اللقاء الأول في «الصبرا» الإجماع فيما بينهم على إسناد دور القيادة لهذا التشكيل إلى خليل الوزير، وأطلقوا عليه لقب «المعلم».
لقاء القاهرة .. مارس 1956 .
تم طرح الأفكار السابقة .. في لقاء القاهرة الذي ضم بعض المؤيدين .. وذلك في مارس (1956) والذي حضره إلى جانب خليل الوزير، رفيق عمره كمال عدوان – الذي له الفضل في الدعوة للاجتماع الأول لـ «الشباب الثلاثة عشر» - وحضر لقاء القاهرة معهما عبد الفتاح عيسى حمود .. وغيرهم من الشباب الفلسطيني الجامعي.
وأسند لخليل الوزير وحمود مهمة تبويب الطروحات الجديدة الخاصة بالإطار مع رفض إعلانه تنظيماً في ذلك اللقاء. وأسند لحْمود مهمة الاتصال مع الجهات الوطنية المؤيدة لطروحاتهم الجديدة على الساحة الفلسطينية والعربية، واستمرار الاتصال مع حمد العايدي الذي تسلل إلى الأردن بعد انكشاف أمر دورية خزان زوهر (1955)، وأبقى لقاء القاهرة مهمة خليل الوزير قائمة .. كما تمت (1954) في غزة. واتفق على لقاء أخر بعد عام.
الانتشار الحذر والاتصال بثوار العالم .
وبدء الانتشار الأفقي الحذر للغاية، خشية أجهزة المخابرات العربية ..، ولكن هذه المرة على أرضية طروحات الأفكار الجديدة للإطار. تيقن خليل الوزير أن مهمة تاريخية تنتظره، ولابد أن يسعى جاهداً لإتقان دوره فيها..، واتسعت آفاقه التحررية نتيجة اتصالاته الحثيثة بمكاتب حركات التحرير الوطني في القاهرة .. التي أصبحت بعد مؤتمر باندونج/أبريل – 1955 / كعبة الثوار والأحرار يحجون إليها من كل حدب وصوب، وكثف من قراءاته المتعددة التوجهات / السياسية والفكرية والأديان / .. وشغف بالدراسات المتعلقة بحركات التحرر والتاريخ والفلسطيني والعربي والمشروع الاستعماري الصهيوني – وكل ما يتعلق بذلك، وتابع بانتباه وتركيز شديدين ما يدور في قطاع غزة ودور كتيبة الفدائيين (421) وما زرعته من رعب داخل خطوط الهدنة حيث تأكدت صحة ودقة وجهات نظر «مجموعة الصبرا» ..، وبقى على اتصال وثيق بكل ما يتعلق باللاجئين في الضفة الغربية والضفة الشرقية وسوريا ولبنان ..، لقد كانت استعداداته عالية للعمل الفدائي القادم.
حرب 1957 وانتصار جمال عبد الناصر .
في خضم هذه الأحداث .. جاء الدور الأمريكي القذر ضد ثورة 23 يوليو 1952، سحب تمويل السد العالي .. الذي أعقبه تأميم قناة السويس العالمية، ومضاعفات ذلك .. مؤتمر لندن للمنتفعين السابقين من الشركة المؤممة، وفشل مهمة منزيس إثر لقائه مع جمال عبد الناصر، لقاءات سيفر «بريطانيا، فرنسا، إسرائيل» والإعداد للعدوان الثلاثي على مصر .. موقف السوفيات المؤيد لمصر .. الموقف القومي العربي المبايع لمصر قائدة للأمة العربية ..، الاستعدادات المصيرية لردع العدوان .. تنفيذ العدوان الثلاثي .. احتلال قطاع غزة وسيناء وجزء من بُورسعيد، انسحاب الجيش المصري لغربي القناة، المقاومة البطولية في بورسعيد .. ويشهد لها العالم بالبسالة، وتتعطل الملاحة في قناة السويس .. وعبد الناصر لازال خطابه يتردد في الأذهان «حنحارب» ..، حقاً والله زمان يا سلاحي .. وفعلاً الله أكبر .. الله أكبر فوق كيد المعتدي ..، هنا إذاعة صوت العرب من دمشق، مظاهرات عارمة في عراق نوري السعيد وعبد الإله، المناضل عبد المجيد السراج مع إخوانه الأحرار في سوريا يدمرون أنابيب النفط المارة بالأراضي السورية..، ثوار الجزائر في الجبال يضربون جيش الاحتلال بقوة.
عاش الوطن العربي لحظات مجد وكبرياء وهم يُعلي صوته مؤيداً مصر في لحظة محنة ولدت نصراً سياسياً مبيناً .. وتنضم العروبة من الخليج إلى المحيط .. إلى جانب مصر الثورة، مصر عبد الناصر، مصر التأميم، مصر التمصير، وكأنها تصرخ بصوت واحد مصر أولاً .. مصر أخيراً ..، نعم / لا عرب بلا مصر .. ولا مصر بلا عرب.
المد القومي
تلاحقت الأحداث صيف عام 1956 .. وفلسطين في القلب من الحدث، إنها القضية المركزية للأمة العربية..، وها هي مصر – قائدة الأمة – تتعرض للعدوان العسكري المباشر .. كانت قلوب شعبنا الفلسطيني – مع مصر أولاً .. فشعبنا يعلم ويعرف تمام المعرفة أن أهم عوامل فشل الحملة الصليبية (الفرنجة) إنما كمن في عدم قدرتها على احتلال مصر ..، مصر مطرقة الأمة العربية عبر تاريخ العروبة الطويل، وسوريا سندانتها وفلسطين (مقر معارك الأمة المصيرية قديماً وحديثاً) وممر غزاتها .. يمروا ولكن لا ولم ولن يستقروا قط.
نشرة «صوت الشعب» في القاهرة .
تابعت مجوعة «الإطار» ما يدور من أحداث على الأرض .. وأثناء وقوع العدوان الثلاثي قامت هذه المجموعة – بإصدار نشرة سرية «صوت الشعب» / في القاهرة / تنطق باسم المقاومة الشعبية» وأشرف / خليل الوزير على كامل إصدارات هذه النشرة، وشاركه فيها / كمال عدوان وصلاح خلف – رئيس رابطة الطلبة الفلسطينيين في القاهرة – ومنير عجور وفوزي جبر. وكان خليل الوزير على اتصال دائم مع كمال عدوان المسئول في جبهة المقاومة الشعبية، الذي وصل إلى العريش إثر مطاردة من جيش الاحتلال.
7 / مارس – آذار / 1957 .
رحل جيش العدوان عن بورسعيد 23/12/1956 وتلكأ بالرحيل عن قطاع غزة وشمال سيناء .. إلا أنه أمام الإصرار المصري والإسناد العربي والدعم السوفياتي والمداهنة الأمريكية والمقاومة الشعبية المتواضعة، أُجبر جيش الاحتلال على الإنكفاء فجر 7 مارس 1957 ..، - حيث فوجئ أهالي قطاع غزة .. أن قوات الطوارئ الدولية قد تسلمت القطاع من قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي .. ، فكانت الفرحة العارمة .. ولكنها لم تتم، فلقد أعلن البريجادير جنرال بيرنز قائد قوات الطوارئ الدولية .. أن القوات هذه قد جاءت لتنفيذ قرار الأمم المتحدة القاضي بالتمركز على الحدود (الجانب المصري) من شرم الشيخ حتى رفح .. وأما قطاع غزة .. فإنه منطقة دولية.
لا للتدويل .
هب قطاع غزة .. هبة رجل واحد وشاركت القوى السياسية في التحريض ضد هذا القرار، وكان لمجموعة «الإطار» دوراً مميزاً في رفض هذا القرار .. سواءاً من شاركوا بمقاومة الاحتلال في قطاع غزة أو إخوانهم ممن وصلوا من العريش حيث كانوا ينتظرون الانسحاب الإسرائيلي بين لحظة وأخرى. تدفقت الجموع وحاصرت جميع مقرات قوات الطوارئ الدولية .. وبرزت الكثير من الأسماء ممن عُرفوا فيما بعد .. من بين شباب «الإطار».
وبعد أسبوع من المظاهرات المتصلة على مدار 24 ساعة، أعلن داج همر شولد الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة، أن مواقع القوات الدولية في قطاع غزة ستكون على الحدود ..، واستقبل الشعب الفلسطيني ذلك بفرحة اكتملت في ذات اليوم باستقبال قطاع غزة / الذي خرج عن بكرة أبيه ليستقبل اللواء أركان حرب محمد حسن عبد اللطيف، الحاكم العام المصري ولتعود الإدارة العربية المصرية إلى قطاع غزة العربي الفلسطيني.
اللقاء الثالث / مارس – آذار / 1957 .
تحت ظلال هذه النشوة الوطنية والقومية العارمة التأم شمل «الإطار» من القطاع ومصر في مارس 1957 .. وكان اللقاء الثالث للإطار، ولكنه اللقاء الأول الموسع – وكان بعد عام من اللقاء الثاني (مارس 1956)، وبالفعل كان هذا اللقاء بمثابة المؤتمر التحضيري الثالث الذي أخذ عن عاتقه مسئولية التأسيس التنظيمي لطروحات الفكرة المنبثقة من الحاجة / ومن الضرورة.
لقد تمت الموافقة على جميع الطروحات التي قدمها خليل الوزير للمجتمعين .. وهو المكلف بذلك. وكانت الدعوة واضحة لاستمرار الاتصال بالقوى الوطنية من الإحزاب السياسية من أجل وضع الطروحات الوطنية للإطار أمامهم جميعاً. ولقد تم في تلك الاجتماعات رفض وثيقة الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهار القاضية بملئ الفراغ في الشرق الأوسط، بعد الهزيمة والانسحاب التي منيت بها دول العدوان الثلاثي على مصر وقطاع غزة.
جماعة الإخوان المسلمين .. يرفضون تحرير فلسطين . بناءً على توجهات «الإطار» قدم خليل الوزير في يوليو 1957 مذكرة مكتوبة لمسئول جماعة الإخوان المسلمين في قطاع غزة – هاني بسيسو: لأن يتبنى الإخوان المسلمون آفاق تنظيم خاص بجانب تنظيمهم بحيث لا يحمل لوناً إسلامياً في مظهره وشعاراته، وإنما يحمل شعار تحرير فلسطين عن طريق الكفاح المسلح، وأن يتولى التنظيم الجديد الإعداد لهذا الكفاح وأن يبدأ بممارسته متى توفرت له العدة، وعلى الذين ينضمون إلى التنظيم سواء كانوا من الإخوان أو من الذين ستوجه لهم الدعوة من خارج الإخوان أن يخلعوا ثيابهم الإخوانية أو الحزبية ويلبسوا بدلاً منها ثياباً فلسطينية، كما أن عليهم أن يمتنعوا عن الدعوة لأية عقيدة أو أيديلوجية».
الأعضاء يتركون جماعة الإخوان المسلمين .
لم تأخذ زعامة جماعة الإخوان المسلمين بهذه الأفكار .. بل اعتبروها «أضغاث أحلام» .. ولكن شباب «الجماعة» سرعان ما بدءوا يُنَظِّرون للأفكار المطروحة .. وبدأت الاستعدادات تترى للإنضمام إلى صفوف «الإطار». وكان لانضمام أبو الأديب – سليم الزعنون – أهمية خاصة .. فهو المسئول الأول عن جبهة المقاومة الشعبية في قطاع غزة أثناء الاحتلال .. ولقد طرح فكرته القائلة إن تجربة رابطة الطلاب الفلسطينين في القاهرة .. كانت ناجحة حيث حسمت أمر التعايش ما بين الأفكار لخدمة الهدف الوطني، وكذلك فإن تجربة جبهة المقاومة الشعبية كانت تجربة ناجحة في السياق ذاته .. وخلص إلى القول إن هذا الإثراء في التجربة يدفع إلى تبني فكرة «الإطار» التي تدعو لخلق فعل سياسي فلسطيني تحرري على غرار تجارب حركات التحرر الوطني العالمية .. متبنياً للكفاح المسلح على أرض فلسطين لتحريرها.
جماعة الإخوان المسلمين .. تناكف . ولقد أكدت مذكرة / يوليو – 1957 / على الدور الإيجابي الذي يوليه الإطار للصف العربي المساند من أبناء الأمة العربية وللدول العربية عامة والدول التقدمية منها خاصة، حيث لا يريد «الإطار» ولا يبحث عن أي صراع مع أحد من العرب سواءاً من الدول العربية أو من شعوب الأمة .. بل يريد وينتظر دعمها جميعاً ما أمكن، فردت زعامة جماعة الإخوان المسلمين مؤكدة أن الدول العربية الثورية لن تسمح بنشاط فلسطيني فوق أراضيها، دون إخضاعه لسياساتها، وعند القتال ستجعل التنظيم الفلسطيني ينطلق من دول مجاورة، وليس من أراضيها، لتصفية حسابات عربية – عربية، فإن عاندها التنظيم الفلسطيني فستبطش به وتتهمه بالتآمر مع جهات أجنبية تعمل ضد الأمة العربية، وبالتالي لن يجدي الحياد في تجنب الصراع مع الدول العربية إن رفض الخضوع للدولة المضيفة.
وهكذا أرادات زعامة جماعة الإخوان المسلمين أن تضع العصي في دواليب العربة التي لم تتمكن من السير والحركة بعد.
الانتشار – الإيجابي . إثر ذلك تبعثر «القوم» من رجالات «الإطار» .. وإن تصلبت مواقفهم أكثر وأكثر وتسلحوا / بمسئولية متناهية الدقة والحساسية .. فلقد ملكوا الأجوبة على الكثير من الأسئلة المطروحة منذ نكبة 1948 .. تبعثروا وبدء كل منهم بقدراته وملكاته التبشير بطروحات الفكرة الجديدة .. شعب، شخصية، هوية، ثورة، حرب عصابات، نضال، كفاح، وحدة وطنية حركة تحرر .. مفردات ذات دلالات بينة ولكنا جديدة كل الجدة على المواطنين الفلسطينيين، وكانت البعثرة حسنة ما بعدها حسنة، ولو خطط لها ما أتت بتلك النتائج حقاً «رب ضارة نافعة».