ابو حسين
04-04-2008, 01:17 AM
استرسل خطان من الدموع على خديه ، حاول أن يكفكفهما ، لم يفلح فتداعي الذكريات ينكأ غارب الدمع فينهمر شلالاً رغم حرارته إلا أنه يطفىء جمرةً يغص بها القلب ويحترق .
راح يهوم بخياله في عالم جميل ، وهو يقود سيارته ويتمتم بألحان تنتهي بتأوهات ، يتساءل يقول في نفسه أين ذلك العهد الجميل ؟ هل تلاشت ذكريات الأندلس بما احتوته من علم وفن وأدب ؟ لشبونة ، غرناطة ، ابن زيدون ، ولادة ، ابن رشد .
لاح له سرب طيور محلقاً هناك في أعالي السماء فتذكر قول الشاعر :
أسرب القطا هل من يعير جناحه ؟
شرد بذهنه يبحث عن شطر البيت الثاني ، نسيه بالطبع لكثرة همومه وما يعتريه في الآونة الأخيرة مما يشبه الذهان ، طاقة من النسيان عاتية تمر به هذه الأيام .
يشعر بإعياء ، خمسة وعشرون كيلو متراً يقطعها يومياً ذهاباً ومثلها إيابا ً إلى مقر عمله ، منذ الصباح ، منذ بكور الطير .
ليت امرأ القيس أبصره ترى هل سيتبجح بوصف فرسه العتيق ، هل سيكون لديه دم ليقول : وقد أغتدي والطير في وكناتها
ما الذي يمنعك يا ابن ملك حجر اليمامة من أن تنام حتى يرتفع قرن الشمس ، حتى الضحى ؟ ألم تصف محبوبتك بأنها :
نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل ؟
بردت لوعة الحنين قليلا ً ، إنه يقترب من نقطة تفتيش ، يتساءل : عجبا لهم ، إنهم يتفرسون في الوجوه ، يقتنصون واحداً ويفلتون الكثير ، يخبطون خبط عشواء من تصب ...
عادت به الذكرى للشمس المتوهجة ، يحبها الناس ويكرهونها ، يحبون دفئها ويكرهون سوط لهيبها . أين منه الدفء ، دفء الأماكن و الأصدقاء ، إنه لا يشعر إلا بلهيب أسواطهم تجلد ظهره المتهم .
يرشف من فم القارورة ماء ً يبل به بعض الظمأ ، الظهيرة قائظة هنا ، حرارة ورطوبة ، أجواء شبه خانقة ، آه .. ألا يكفي جو النفس المخنوق بالإعباء ؟ الحمد لله على كل حال .
آه لم يصدق أنه وضع رأسه على الفراش ، حقاً لا طعم للراحة إلا بعد العناء .
قبل أن يسلم عينيه لنوم عميق تحسس موضع الدموع ، جفت . لكن ألمها ووخزها لم يزل مدبباً ، وعميقا ً في الوقت ذاته .
سرح بطرفه بعيداَ . على الحائط تنتصب لوحة حالمة ، تزدهي بألوان حديقتها ، فسيحة الأبعاد ، يا ألله ما أجملهما ؟ أغر محجل ، وبيضاء ذيلها ذيل العروس ، إنهما يتسابقان ، يعدوان بخفة ورشاقة ، يجريان نحو المجهول ، متحاذيين ، بينهما دنو وتلامس ؟
غامت عيناه وغاب فترة يستذكر مقطوعة أبي ريشة حين ركب الطائرة وراح يصف وثبتها من المطار إلى السماء :
وثبت تستقرب النجم مجالا
وتهادت تسحب الذيل اختيالا
لم ينجذب أبو ريشة لذيل الطائرة ،وهل يحتوي أياً من معاني الرومانسية والدلال ؟ إنما هو مطلع قصيدة ، السبب فيها غادة وليست طائرة .
غادة أندلسية ، فاتنة جلست لجواره وهو الشاعر المرهف الحساس ، خالسها النظر ، وبادلته طرفاً بطرف ، كان أجرأ منها حينما ابتسم ، وكانت أوثق بنفسها حين ردت له الصاع صاعين فابتسمت .
وراح الشاعر اللطيف في وصف ذاك اللقاء الحميمي الجميل الذي انتهى بأسفه على ما ذهب من أمجاد للمسلمين في الأندلس . إنني أحبك يا عمر ، أو لست القائل أجمل بيتين من الشعر المعاصر
رب وا معتمصاه انطلقت ......
لكنهما فرسان جامحان ، في لوحة مفرغة من الحياة ، ما الذي جعلهما نابضين بالحياة ، وبروح أهلتهما لاستدعائه أجمل ذكراه .
وما لبث أن طار من عينه النوم وهبط في مؤقتيهما مطر من دموع ، انتحب هذه المرة ، نشج نشيجاً مراً ، أسمع كل من حوله كأنه اتخذ من قول مالك بن نويرة عذراً حين لاموه على بكائه أخاه متمم بن نويرة الذي قتله خالد بن الواليد رضي الله عنه خطأ ً ، فقال عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد )
لم يبال مالك بلومهم فقال مالك :
لقد لامني عند القبور على البكا
خليلي لتذراف الدموع السوافك
وقال : أتبكي كل قبر ٍ لقيته
لقبر ٍ ثوى بين اللوى فالدكادك
فقلت له إن الشجى يبعث الشجى
فدعني فهذا كله قبر مالك وأغمض عينيه ، فهل يا ترى أفاق ، أم أنها كانت نومته الأخيرة ؟
راح يهوم بخياله في عالم جميل ، وهو يقود سيارته ويتمتم بألحان تنتهي بتأوهات ، يتساءل يقول في نفسه أين ذلك العهد الجميل ؟ هل تلاشت ذكريات الأندلس بما احتوته من علم وفن وأدب ؟ لشبونة ، غرناطة ، ابن زيدون ، ولادة ، ابن رشد .
لاح له سرب طيور محلقاً هناك في أعالي السماء فتذكر قول الشاعر :
أسرب القطا هل من يعير جناحه ؟
شرد بذهنه يبحث عن شطر البيت الثاني ، نسيه بالطبع لكثرة همومه وما يعتريه في الآونة الأخيرة مما يشبه الذهان ، طاقة من النسيان عاتية تمر به هذه الأيام .
يشعر بإعياء ، خمسة وعشرون كيلو متراً يقطعها يومياً ذهاباً ومثلها إيابا ً إلى مقر عمله ، منذ الصباح ، منذ بكور الطير .
ليت امرأ القيس أبصره ترى هل سيتبجح بوصف فرسه العتيق ، هل سيكون لديه دم ليقول : وقد أغتدي والطير في وكناتها
ما الذي يمنعك يا ابن ملك حجر اليمامة من أن تنام حتى يرتفع قرن الشمس ، حتى الضحى ؟ ألم تصف محبوبتك بأنها :
نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل ؟
بردت لوعة الحنين قليلا ً ، إنه يقترب من نقطة تفتيش ، يتساءل : عجبا لهم ، إنهم يتفرسون في الوجوه ، يقتنصون واحداً ويفلتون الكثير ، يخبطون خبط عشواء من تصب ...
عادت به الذكرى للشمس المتوهجة ، يحبها الناس ويكرهونها ، يحبون دفئها ويكرهون سوط لهيبها . أين منه الدفء ، دفء الأماكن و الأصدقاء ، إنه لا يشعر إلا بلهيب أسواطهم تجلد ظهره المتهم .
يرشف من فم القارورة ماء ً يبل به بعض الظمأ ، الظهيرة قائظة هنا ، حرارة ورطوبة ، أجواء شبه خانقة ، آه .. ألا يكفي جو النفس المخنوق بالإعباء ؟ الحمد لله على كل حال .
آه لم يصدق أنه وضع رأسه على الفراش ، حقاً لا طعم للراحة إلا بعد العناء .
قبل أن يسلم عينيه لنوم عميق تحسس موضع الدموع ، جفت . لكن ألمها ووخزها لم يزل مدبباً ، وعميقا ً في الوقت ذاته .
سرح بطرفه بعيداَ . على الحائط تنتصب لوحة حالمة ، تزدهي بألوان حديقتها ، فسيحة الأبعاد ، يا ألله ما أجملهما ؟ أغر محجل ، وبيضاء ذيلها ذيل العروس ، إنهما يتسابقان ، يعدوان بخفة ورشاقة ، يجريان نحو المجهول ، متحاذيين ، بينهما دنو وتلامس ؟
غامت عيناه وغاب فترة يستذكر مقطوعة أبي ريشة حين ركب الطائرة وراح يصف وثبتها من المطار إلى السماء :
وثبت تستقرب النجم مجالا
وتهادت تسحب الذيل اختيالا
لم ينجذب أبو ريشة لذيل الطائرة ،وهل يحتوي أياً من معاني الرومانسية والدلال ؟ إنما هو مطلع قصيدة ، السبب فيها غادة وليست طائرة .
غادة أندلسية ، فاتنة جلست لجواره وهو الشاعر المرهف الحساس ، خالسها النظر ، وبادلته طرفاً بطرف ، كان أجرأ منها حينما ابتسم ، وكانت أوثق بنفسها حين ردت له الصاع صاعين فابتسمت .
وراح الشاعر اللطيف في وصف ذاك اللقاء الحميمي الجميل الذي انتهى بأسفه على ما ذهب من أمجاد للمسلمين في الأندلس . إنني أحبك يا عمر ، أو لست القائل أجمل بيتين من الشعر المعاصر
رب وا معتمصاه انطلقت ......
لكنهما فرسان جامحان ، في لوحة مفرغة من الحياة ، ما الذي جعلهما نابضين بالحياة ، وبروح أهلتهما لاستدعائه أجمل ذكراه .
وما لبث أن طار من عينه النوم وهبط في مؤقتيهما مطر من دموع ، انتحب هذه المرة ، نشج نشيجاً مراً ، أسمع كل من حوله كأنه اتخذ من قول مالك بن نويرة عذراً حين لاموه على بكائه أخاه متمم بن نويرة الذي قتله خالد بن الواليد رضي الله عنه خطأ ً ، فقال عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد )
لم يبال مالك بلومهم فقال مالك :
لقد لامني عند القبور على البكا
خليلي لتذراف الدموع السوافك
وقال : أتبكي كل قبر ٍ لقيته
لقبر ٍ ثوى بين اللوى فالدكادك
فقلت له إن الشجى يبعث الشجى
فدعني فهذا كله قبر مالك وأغمض عينيه ، فهل يا ترى أفاق ، أم أنها كانت نومته الأخيرة ؟